حسام عيسى
باحث فى العلوم السياسية و العلاقات الدولية
من أجل فهم علمي أعمق لثورة 30 يونيو 2013م، علينا إدراك أسباب هذه الثورة.
مرت مصر بسنوات عديدة من الاحتلال كان اخرها الاحتلال الإنجليزي على مصر، وكانت ثورة 23 يوليو 1952م، هو استقلال مصر من المحتل الإنجليزي والاسرة المالكة، ثم خاضت مصر عددا من الحروب لتحرير أراضيها من العدوان الثلاثي 1956م، وحرب 1967م، وحرب الاستنذاف 1970م، وحرب 1973م، الى ان تمت اتفاقية السلام مع اسرائيل في 1979م، حيث استنذفت تلك الحروب موارد مصر وثرواتها، وبدأت مصر التنمية منذ عهد الرئيس حسنى مبارك، حيث اتخذ النظام السياسي مدخل النخب في إدارة البلاد، والمتمثلة في حكومة تكنوقراطة اى حكومة متخصص في النواحي العلمية والعملية، بالإضافة الى نخب اعضاء النواب والشيوخ في الرقابة والتشريع، حيث كان على تلك النخب ان تدير البلاد من خلال شفافية القرار وتوصيل متطلبات الشعب الى الحكومة من اجل تلبية متطلباتهم، كما تقوم النخب بتوعية الشعب بالتحديات والإمكانات المتاحة لدى صانع القرار، و لكن لم تستطع تلك النخب في ربط المجتمع بالنظام السياسي والتنفيذي للبلاد، مما خلق تباعد وانشقاق بين النظام الاجتماعي والنظام السياسي، الذي أدى الى عدم استقرار بالأوضاع الاقتصادية والسياسية للبلاد، استغلت القوى المعادية لمصر تلك الفجوة وتباعد الشعب عن النظام السياسي، مما أدى الى ثورة 25 يناير 2011م، بمساعدة بعض العناصر المأجورة من حقوقيين ونشطاء، بالإضافة الى شباب عاشق للوطن يريد الأفضل للبلاد هؤلاء الشباب ضحوا بارواحهم من اجل حياة كريمة وعادلة للشعب المصري، واستغلت الاجماعات الإرهابية تلك الظروف والتي كانت اكثر تنظيما في المجتمع المصري، مما اسفر عن حكم البلاد، ولكن استفاق المجتمع المصري على جماعة إرهابية تمحو الهوية الشخصية للإنسان المصرى، مما دفع الشعب المصري الى ثورة بها جميع الاطياف من اجل استعادة الهوية الشخصية المصرية، وكانت ثورة 30 يونيو 2013م، رمز الى استعادة وطن من الجماعات الإرهابية، والتي كان يمولها ويؤيدها السياسة الخارجية الامريكية، التي تسعى الى إقامة دولة مصرية تقوم على الصراعات الداخلية، من اجل بسط نفوذها السياسي والسيطرة على ثروات البلاد من غاز في البحر المتوسط ومن السيطرة على قناة السويس، احد اهم الممرات المائية في العام، ولكن استطاع المواطن المصري بحسة الفطري ان يوقف مخططات الدولة المهيمنة عالميا، ويحمي مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وممتلاكات الدولة، فكانت على تلك المؤسسات ان تستجيب الى مطالب شعبها في ان تزيل حكم الجماعات الإرهابية، وكان يوم التفويض 26 يوليو 2013م، هو تأكيد على إرادة شعب قادر ان يحمي مؤسساتة الوطنية وان يمحي تلك الجماعات من النسيج المصري.
و لكن مازالت التحديات قائمة على الدولة المصرية، و ان هدف المهيمن العالمي السيطرة على ثروات البلاد من اجل بقائة مهيمن على العالم، لذا على كل مواطن عاشق للوطن ان يحمي الهوية الجماعية للدولة المصرية، و علية ان يتلاحم مع نظامة السياسي من اجل حرية البلاد و حرية الفرد .
إن بناء الجمهورية الجديدة هو أمر واجب على كل مصري عاشق للوطن، إن الجمهورية الجديدة هى مصر المستقبل التى نسعى لبنائها معًا من أجل حياة أفضل لنا ولمن بعدنا، لذا وجب على كل مواطن الالتزام بواجبات لا بد من أن يدركها كى يستطيع أن يحقق حلم الحياة الأفضل؛ لذا وجب على المواطن معرفة وإدراك مسؤلياتة تجاه الوطن _ ومن أهم المعلومات الأتي:
تفرض البيئة الدولية صراعات اقتصادية وسعى الدول للحصول على القوة العسكرية والاقتصادية، وأدى ذلك إلى خلق تفاعلات أكثر توترًا بين الدول، مما يؤثر على عدم الاستدامة فى التنمية والقدرة على تحقيق ما تصبو المجتمعات إليه، وخاصة فى الدول الناشئة التى تتأثر بشكل كبير بصراعات التي بين الدول العظمى، وهذا ما تقذفه الآن البيئة الدولية من صراع روسى مع أوكرانيا عسكرى وعلى جانب آخر صراع اقتصادى بين الولايات المتحدة والصين، والدول الكبرى تتحالف مع الصين أو الولايات المتحدة، بالأضافة إلى التواجد الأمريكي في دول الخليج العربي في سعيها إلى أبقائها المهيمن العالمي.
إن تلك المؤثرات والصراعات فرضت على الفرد والمجتمع مسؤوليات إضافية لم تكن متواجدة قبل ذلك، حيث أصبح على الفرد والمجتمع التصدى لحماية الدولة من تلك المؤثرات والصراعات التى تعصف بالدول، جيث لا تقدر النظم السياسية (الحكومة) وحدها حماية الدولة وبقائها، مثل ما حدث فى الصومال وليبيا واليمن والعراق والسودان وسوريا ولبنان وأوكرانيا، وأنه عندما تسقط الدول لا تستطيع أن تقف مرة أخرى، وفيها يشرد الفرد والمجتمع وهو المتضرر الأول والأخير، بينما النخب ورجال الأعمال يذهبون.
إن حرية الدولة هي الهدف القومي؛ أى أن حرية الفرد تأتى من حرية الدولة وعندما تسقط حرية الدولة تسقط حرية الفرد؛ لذا على الفرد أولًا الحصول على حماية حرية الدولة لكى يستطيع أن يحصل على حريته، وحتى يستطيع الفرد بناء هوية جماعية تكون سمة رئيسية للدولة على الفرد أولًا بناء هويته الشخصية من خلال الثقافة والمعرفة والإيمان بالذات وبالآخرين، إن هوية الفرد تتكون من عدد متراكم من الهويات السابقة لتخرج لنا هوية مجمعة تشمل كل هذه الهويات وتستطيع أن تتواكب مع الحاضر بمسؤولياته، إن بداية بناء الهوية الجماعية تأتى من الولاء والانتماء للوطن، حيث يعد هذا الانتماء هو الدافع للمشاركة والتشارك وخلق المتشابهات من أجل الوطن.
لابد من أسس ثقافة شاملة، كمشروع قومى للدولة من أجل بناء هوية جماعية تتوافق مع ثقافة متطورة من خلال الطبيعة المجتمعية من عادات وتقاليد المجتمع، وتكون المعرفة والثقافة عماد وعى الفرد هو الذى يقرر الطبيعة والشكل الفكرى للهوية الجماعية، ليكون قادرًا على إدراك التفاعلات المختلفة بين الأفراد من ناحية، وبين الفرد والمجتمع، ومن ناحية أخرى بين المجتمع والدولة، من خلال تلك التفاعلات ينتج سلوك يرضى الهوية الجماعية التى تقدر أن تصل إلى قرار وتكون قادرة على تحمل تكلفة هذا القرار، الذى يكون متوافقًا مع إمكانيات الأكثرية من المجتمع، مما ينتج عنة القدرة على البناء والتنمية والتصدى لكل التوترات والتحديات الخارجية والتغلب على الصعاب الداخلية.
بناءً عليه؛ إن بناء الهوية الجماعية للمجتمع القادر على التصدى للصعاب والتحديات الخارجية والداخلية يعتمد أولًا على الثقافة وبناء الهوية الفردية وهذه مسؤولية الفرد، ومن خلال تلك الهوية والإحساس بالانتماء للوطن يتفاعل الفرد من أجل بناء هوية جماعية مشتركة، تكون متوافقة مع أغلبية المجتمع، تلك الهوية الجماعية هى التى تكون قادرة على تحديد نظام الدولة وطرق إدارتها وتحدد الطبيعة الاقتصادية المتلائمة مع الهوية الجماعية، ومن خلال ذلك تستطيع تلك الهوية الجماعية الدفاع والتصدى والتغلب على كل الصعاب التى تواجهها الدولة سواء الداخلية أو الخارجية التى تفرضها البيئة الدولية، وتكون قادرة على تغيير تلك الصعاب لمصلحة الدولة، وبناء المستقبل وبناء الجمهورية الجديدة بما يتناسب مع أغلبية المجتمع.
لذا وجب علينا حماية مكتسبات ثورة 30يونيو، وحماية الدولة المصرية، عن طريق مساندة ودعم النظام السياسي المصري، إن الحياد خيانة والسلبية خيانة، لكل شهداء الوطن من الجيش والشرطة، فهم من ضحوا من أجل عزة وكرامة الوطن، فلولاهم ما كنا – تحية عرفان بالجميل لشهداء الوطن – تحيا مصر بشهدائها الأبرار.
مقالات وآراء
“خرط سياسي”
بقلم: المهندس علي جبار الفريجي
مختص بأدارة الازمات
صوت العقل لا يصرخ… لكنه يغيّر.
وصوت الجهل لا يصمت… لكنه لا يُقنع.
مؤخرا في المشهد العراقي، كثرت الأصوات التي ترتدي الياقات السياسية وتتكلم بلغة الطوائف والغرائز، ظنًا منها أن التهريج السياسي هو الطريق الأقصر إلى المنصب. هؤلاء لا يخوضون انتخابات، بل يتدافعون على “المضبطة” كأنهم في سوق نخاسة، لا ساحة تداول ديمقراطي.
لقد تحول الفضاء السياسي مؤخرًا إلى مسرح كاريكاتيري، يتناوب فيه “مهروجون” رخص على أداء أدوار البطولة، مدّعين زورًا أنهم سيكتسحون المشهد، ويقلبون الطاولة، ويستحوذون على منصب (رئيس الوزراء), و”يأخذونها غلابًا”… بينما الحقيقة أنهم يتكلمون أكثر مما يفعلون، ويعدون أكثر مما ينجزون، و”يخرطون” أكثر مما يفقهون.
ما يُسمّى بـ”تصريحات انتخابية” بات في جوهره خطابًا تفكيكيًا طائفيًا تحريضيًا، لا يمت بصلة لفن الإدارة ولا لأخلاق السياسة. هو خرطٌ مغلف برداء رثّ من الوطنية الزائفة، يُدار بعقلية الغنيمة ويُسوق بمنطق القبيلة. أما الدستور، والاستحقاق، والمواطنة، فهي مصطلحات يتعامل معها بعضهم كما يتعامل الجهلة مع كلمات في معجم لا يجيدون قراءته.
إن مناصب الدولة (رئيس الوزراء, الوزير, وغيرها) ليست مقاعد في قاعة أفراح، تُحجز بالحجز المُسبق عبر صفقات الظلام، بل هي مسؤوليات تاريخية ووطنية تستدعي الكفاءة، لا القفز فوق أعناق القانون بشعار “المكون أولًا”.
ما نراه اليوم هو هرج سياسي بفوضى، تقف خلفه أجندات مريضة، لا علاقة لها بفكرة الدولة الحديثة، ولا بمشروع بناء وطن. ومن المضحك المبكي أن بعضهم ما زال يعتقد أن الولاء للطائفة طريق مختصر نحو الحكم، وكأن العراق مجرد مساحة نفوذ لا وطنٌ يعيش فيه شعب.
هؤلاء لم يقرأوا المتغيرات الإقليمية، ولم يدركوا التحولات الدولية، لأنهم ببساطة ينظرون من نوافذ مغلقة، ويستقرئون المستقبل من مزاجهم الطائفي لا من حقائق الواقع.
إن المواطن العراقي لم يعد مغفلًا، ولم تعد تنطلي عليه لُغة “الصوت العالي”، وعبارات “سنكتسح”، و”نُقصي”، و”نُنهي”. يريد من يخاطب عقله لا غرائزه، ومن يملك مشروعًا لا شعارات، ومن يحمل برنامجًا لا هتافًا أجوف.
الخرط السياسي لم يعد مُضحكًا، بل صار مُكلفًا…
مُكلفًا لوطن يُنهش من كل اتجاه، ويُدار بمنطق الغنائم لا بصيرة الدولة.
وإذا لم يُوضع حد لهذا الخرط،
فلن يكون السؤال: “من سيحكم؟”
بل: “هل بقي شيء يُحكم؟”.
يوسف حسن، يكتب-
ليست مجرد عملية تجسس ناجحة، بل زلزال أمني واستراتيجي بدأ يهزّ أساسات الكيان الإسرائيلي… طهران تعلن امتلاكها وثائق سرّية و”بالغة الحساسية” تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي، ما يفتح أبواب الجحيم أمام تل أبيب على أكثر من صعيد: أمني، سياسي، ودولي.
في تقرير متلفز بثّته القنوات الرسمية الإيرانية، ورافقته تغطية واسعة من وسائل إعلام مقربة من محور المقاومة، أعلنت إيران أن جهاز استخباراتها تمكن من الحصول على أرشيف نووي إسرائيلي يحتوي على آلاف الوثائق الاستراتيجية. ووفقًا لما تم تسريبه، فإن هذه الوثائق تكشف معلومات دقيقة عن البنية التحتية النووية السرّية لإسرائيل، مواقع التخصيب، خرائط المنشآت، وخطط الطوارئ العسكرية المرتبطة بها.
الخبر بحد ذاته ليس فقط إحراجًا، بل تهديد وجودي. فتل أبيب، التي طالما رفضت الاعتراف بامتلاكها للسلاح النووي، تجد نفسها اليوم أمام خطر انكشاف كامل أمام العالم. والأخطر من ذلك: أن هذا الانكشاف لم يأت من تسريب داخلي صغير، بل من يد خصمها الأكبر… إيران.
السيناريوهات المحتملة تتسارع:
1. على الصعيد الدولي، قد يُجبر هذا التطور الوكالة الدولية للطاقة الذرية على فتح ملف إسرائيل النووي، خاصة مع وجود أدلة قد تُنشر قريبًا، تُثبت خرقًا صريحًا لنظام حظر الانتشار النووي. ومن غير المستبعد أن تطالب بعض القوى الدولية – خصوصًا من خارج معسكر واشنطن – بمساءلة تل أبيب ومقارنة تعامل المجتمع الدولي مع إيران وإسرائيل في هذا المجال.
2. سياسيًا داخل إسرائيل ، يواجه بنيامين نتنياهو عاصفة لا تقل خطورة عن الحروب العسكرية التي يخوضها. رئيس وزراء محاصر بغضب داخلي، فشل في غزة، وعاجز عن ضبط الأمن في الجبهة الشمالية، والآن يواجه أسوأ كابوس استخباري في تاريخ إسرائيل. خصومه في الداخل بدأوا بالفعل باستثمار الفضيحة، والجمهور ينتظر معرفة كيف سُرقت أسرار الدولة من داخلها، ومن كان نائمًا على حراسة “القنبلة النووية”.
3. أمنيًا وعسكريًا ، فإن أكثر ما يُقلق قادة الجيش الإسرائيلي اليوم، ليس فقط تسريب المعلومات، بل احتمالية أن تكون إيران قد رسمت خريطة مفصلة لنقاط الضعف النووية الإسرائيلية، وباتت تملك “الزرّ النووي العكسي”: القدرة على الضرب الدقيق في ساعة الصفر، بمجرد توافر الغطاء السياسي أو الاستفزاز المناسب.
فهل نحن أمام مرحلة جديدة من التوازن الاستراتيجي في المنطقة؟
هل انتهى زمن الغموض النووي الإسرائيلي؟
وهل باتت إسرائيل، لأول مرة، في موقع من يُراقب ويخاف… لا من يُراقب ويهدد؟
الإجابات قيد التشكل.
لكن الثابت الوحيد هو أن الساعات القادمة ستكون مُحمّلة بتداعيات خطيرة… وربما مفصلية في تاريخ الصراع بين إيران وإسرائيل.
عصام كاظم جري… اللغة الناعمة بعطرها الممسوس بتقانات الاثراء وتجويف الاساطير التراثية الميسانية عمقا ودلالة ومعنى
قراءة أدبية / سمير السعد
في زمنٍ باتت فيه الأصوات العالية تُغطّي على خرير الشعر، ينهضُ عصام كاظم جري بصوته الهادئ كقنديلٍ في عتمة الجنوب، لا يطلب الضوء لنفسه، بل يهبه للآخرين. شاعرٌ ومربٍّ وإنسان، ترك ومازال ، بصمة لا تُمحى في ذاكرة ميسان الثقافية، وفي وجدان من عرفوه، سواء في الحقل التعليمي أو في المنتديات الأدبية أو في طيب المجالس. أنيق في حضوره، رصين في كلمته، خفيف الظل على من حوله، محبوب في الأوساط الثقافية، ابتسامته لا تفارقه، وحديثه شيّق لا يُملّ، وكأن القصيدة تسكن حديثه كما تسكن قصيدته.
ولد في مدينة العمارة، وتشرّب من بيئتها الجنوبية الحسّ المرهف واللغة الصافية، فدرس اللغة العربية في كلية الآداب، وحصل على البكالوريوس، ليختار بعدها طريق التعليم، فيجمع بين الأدب والتربية، وبين الجمال والمسؤولية. لم يكن مجرد معلم للغة، بل مربٍّ للذوق والروح، فأثر في أجيال كثيرة، ترك فيهم بذور الحرف والوعي، وكان مثالًا للمدرّس الذي يجمع بين الخلق والعلم، وبين التواضع والهيبة.
انتماؤه للكلمة كان صادقًا وحقيقيًا، ولهذا انضمّ إلى اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، وكذلك إلى
اتحاد الأدباء العرب، وشارك في تأسيس ملتقى ميسان الثقافي، وشغل منصب رئيس نادي الشعر في اتحاد أدباء ميسان بين عامي 2016 و2019، في فترةٍ شهدت نشاطًا ملحوظًا في المشهد الأدبي المحلي، وكان من بين أبرز الأصوات التي حافظت على اتزان الشعر في مواجهة الاضطراب الثقافي العام.
تُعدّ تجربته الشعرية من التجارب المهمة في جنوب العراق، وقد انعكست في دواوينه “خارجًا ومكتفيًا بالسواد” الذي صدر عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد، و”خارطة الريح” الذي صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب في ميسان عام 2011. هذان العملان رسّخا حضوره كشاعرٍ يمتلك نبرة خاصة، ويتعامل مع القصيدة بوصفها شغفًا ذاتيًّا ورسالة وجودية. كما شارك في مجاميع شعرية جماعية مهمة مثل “أعالي السنديان”، و”أحزان عراقية”، و”وردة الضحايا”، مما جعله حاضرًا في المشهد الأدبي على المستوى المحلي والعربي.
في قصيدته “لقاء أوّل”، تتجلى رؤيته الشعرية التي تمزج بين الذات والواقع، وتنهل من الحزن العراقي، ولكن دون أن تستسلم له. يفتتح النص بلحظة العودة، العودة إلى الذات، وإلى الوطن، وإلى المواجهة:
عند أوّلِ عودةٍ لي
عند أوّل التفاتةٍ إلى حارسِ الحدود
عند أوّل نقطةٍ لتفشي السّر
تذكرتُ الحياةُ
شظايا
وأريكةُ ليل
هذا المقطع ينهض على مفارقة الشعور بين اللحظة الآنية وذاكرة الألم. كلّ “أول” في النص يشير إلى كشف داخلي. العودة ليست مجرد عبور مكاني، بل عبور وجودي نحو الذات المنهكة. حين يلتفت الشاعر لحارس الحدود، لا يراه بعين الجغرافيا، بل كرمز لحدودٍ أوسع ، حدود الوجع، الغربة، والانفصال. تتذكر الحياة لا كأمل، بل كشظايا، وكسطح هشّ ، ” أريكة ليل”، حيث الراحة مؤقتة، والوحدة أبدية.
ثم يمضي في توصيفٍ يزداد كثافة وتصعيدًا:
الحياة
سلّمٌ من رصاص
ساحةٌ ووقوفٌ من بارودٍ
وتلف
هذا السطر يعبّر عن سوداوية لا يخلو منها وعي الشاعر. الحياة هنا ليست ارتقاءً ناعمًا، بل “سلّم من رصاص”، كلّ درجة فيه موت مؤجل. “وقوف من بارود” إشارة إلى الثبات القسري وسط أخطار الحرب، وتتحوّل الحياة إلى تلف، إلى حالة من التآكل والصمت.
ويكمل الشاعر لوحته:
عند أوّلِ شهقةٍ من الآس
عند أوّلِ عبّارةٍ للغرق
الأرصفةُ مشاهدُ من جماجمَ
وأنفاق
الآس، رمز العطر والموت، يأتي ممزوجًا بـ”شهقة”، ما يوحي بجنازة، أو بوداع. “العبّارة للغرق” ليست فقط عبورًا مائيًّا بل رمزٌ للمرور من الحياة إلى الفقد. أما الأرصفة، فليست للانتظار أو اللقاء، بل “مشاهد من جماجم”، كأن الموت يمشي معنا على أرصفة المدن.
وفي المقطع الثاني من القصيدة، يرتقي الشاعر نحو صورة أكثر كثافة، وأكثر حزنًا:
من بياناتِ اختباء
عند أوّلِ لوحةٍ درامية من الرمل
عند أوّلِ ثريا تبثّ النجوم
عند أوّلِ ستارِ عَتمة
الخنادقُ أسلاكٌ
معطوبة
يبدأ من “بيانات اختباء” ليشير إلى هروب الإنسان من ذاته، من ذاكرته، من وطنه حتى، لكنه لا يهرب من القصيدة. “اللوحة الدرامية من الرمل” تشير إلى مشهد مؤقت، هشّ، قابل للانهيار. “الثريا” تبث النجوم، لكنها في مشهدٍ معتم، لا تنير ما حولها، فالضوء لا يبلغ الأرض. “الخنادق أسلاك معطوبة”، صورة تستدعي الحرب، العطب، فشل الحماية، وانهيار الدفاعات النفسية والواقعية.
ثم يختتم القصيدة بهذا التساؤل الموجع:
لكِ وحدَك أكثرُ من ليل
والطفولةُ علامةٌ تشبهُ أقواسَ الفرح
من يُنقذُ وجهَ الليل من هذا السواد؟
والشمسُ تخلعُ عباءةَ الإتقاذ
وتلوّحُ بخيوطِها للراحلين
الذين لا يملكونَ بقايا
الحروف؟
هذا المقطع يصل بالقصيدة إلى ذروة الدراما الشعرية. “لكِ وحدك أكثر من ليل” هو خطاب إلى ذات أنثوية مجهولة، ربما الوطن، أو الحب، أو الذاكرة. الطفولة، رغم رمزيتها، لا تأتي إلا كـ”علامة تشبه أقواس الفرح” – الفرح مجرّد تشبيه لا تحقق. في سؤاله: “من يُنقذ وجه الليل من هذا السواد؟” يتجلّى اليأس النبيل، واليأس الواعي. الليل مظلم حتى في وجهه، فكيف ننجو؟ حتى الشمس، التي يفترض أن تُنقذ، “تخلع عباءة الإنقاذ”، وتنأى، تلوّح للراحلين الذين “لا يملكون بقايا الحروف” – هم أولئك الذين صمتوا، ماتوا، ولم تُكتب لهم قصة أو قصيدة.
ولا يقتصر أثره على النص الشعري فقط، بل تعدّاه إلى النقد، حيث كتب مقالات رصينة عن تجارب شعرية عربية وعراقية، مثل “خيول مشاكسة” لماجد الحسن، و”الغياب العالي” لعلي سعدون، و”دفء الثلج” لجابر محمد، و”صيدلية البقاء” لمحمد قاسم الياسري، وغيرها. كانت كتاباته النقدية نابعة من حسّ معرفي وثقافي، ومن إحساس صادق بالشعر بوصفه ضرورة روحية وجمالية.
أما حضوره الأكاديمي، فقد تجاوز حدود النشر إلى فضاء الجامعات، حيث دُرست تجربته الشعرية في أطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير في جامعات عربية وعراقية عدة، منها جامعة القاهرة، جامعة بابل، جامعة كربلاء، الجامعة المستنصرية، وجامعة ميسان. وهو ما يؤكّد أن أثره لم يكن لحظيًّا، بل عميقًا ومستمرًا، ويستحق مزيدًا من التوثيق.
من المدهش أن لا نجد حتى اليوم كتابًا نقديًا منفردًا يُعنى بتجربته الشخصية والأدبية، رغم غناها وتنوعها وتأثيرها. نحتاج إلى كتاب يحمل عنوانًا مثل “عصام كاظم جري: شاعر العمارة وضمير الجنوب”، أو “في ظلال قصيدة ميسانية ، دراسة في شعر عصام كاظم جري”، يضمّ قراءات نقدية وشهادات وأوراقًا أكاديمية، لتكون وثيقة وفاء لهذا الاسم الذي أعطى الكثير، وظل وفيًّا للقصيدة والإنسان والمكان.
عصام كاظم جري لم يكن شاعرًا فحسب، بل إنسانًا نبيلًا ومربيًا مخلصًا وصوتًا شعريًا مغايرًا، عرف كيف يجعل من الألم منبعًا للجمال، ومن الغربة نداءً للانتماء، ومن الكلمة سلاحًا للمحبّة والحقيقة. وفي كل مرة نقرأ نصًا من نصوصه، كأننا نسمع صوته وهو يهمس لنا بما لم نقله، ويضع أمامنا مرآةً من حروفٍ نقيّة، تقول لنا: “من يُنقذ وجه الليل من هذا السواد؟” وكأنه يعلّمنا من جديد أن الشعر، وحده، يستطيع أن يوقظ فينا ما نسيناه من إنسانيتنا.

بمناسبةِ عيدِ الإعلاميين ..
الدكتور عادل اليماني يكتُب :
…………………
تهنئةٌ خاصةٌ لزملائي ونفسي ، بعيدِ الإعلاميين ، الحادي والتسعين ، الذي يُصادفُ اليومَ الأخيرَ من شهر مايو ..
إنني أتشرفُ بكوني واحداً من مذيعي ماسبيرو ، قضي عمرَه في هَذِهِ المهنةِ المهمةِ ، يتحري الأمانةَ في العرضِ ، والصدقَ في القولِ ، والدقةَ في التناولِ ، مُدركاً لخطورةِ الكلمةِ ، ومسئوليةِ الكلمةِ ، وأمانةِ الكلمةِ ..
هو الإعلامُ إذنْ ، حرفٌ في كلمةٍ ، وليسَ نقطةً في آخرِ السطرِ ، به يقتربُ البعيدُ ، ويُصبحُ العالمُ الفسيحُ ، قريةً صغيرةً ، تكادُ تعرفُ كُلَّ تفصيلةٍ فيها .
إنَّ للإعلامِ رسالةً أسمي ، خلاصتُها غرسُ القيمِ ، واستنهاضُ الهممِ .
ودائماً القلوبُ كالقدورِ ، تغلي بما فيها ، وألسنتُها مغارفُها ..
أدركَ السابقونَ أهميتَه ، فأنزلوه مكانتَه ، فهَذَا وزيرُ إعلامِ هتلر ، جوزيف جوبلز ، يقولُ : اعطني إعلاماً بلا ضمير ، أُعطِك شعباً بلا وعي ..
والإعلامُ الصادقُ ، هو الباحثُ دوماً عن الحقيقة ، بل إنَّه و الحقيقةَ وجهان لعملةٍ واحدةٍ ..
ولقد شاهدنا وسمعنا وقرأنا ، صنوفاً متعددةً من الإعلامِ :
− إعلاماً يعرضُ جزءاً من الحقيقةِ .
− وإعلاماً يخشي عرضَ الحقيقةِ .
− وإعلاماً يُحاربُ الحقيقةَ ..
وفي أدبياتِ الإعلامِ ، ليسَ كُلُّ ما يُعرفُ يُقالُ ، وليسَ كُلُّ ما يُقالُ ، صادفَ أهلَه ، وليسَ كُلُّ ما صادفَ أهلَه ، حانَ وقتُه ..
وإعلامُنا الوطنيُّ ، درةُ التاجِ ، وفضلُه على الإعلامِ الخاصِ ، كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ .
لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ..
هَذِهِ وظائفُ الإعلامِ الرئيسةُ .
والمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ، وما في قلبِه ، يظهرُ في فلتاتِ هَذَا اللسانِ .
والكلمةُ الطيبةُ ، كما أخبرَ ربُّنا سُبحانَه ، أصلُها ثابتٌ ، وفرعُها في السماءِ ، تبني الأممَ ، وتُبلسمُ الجراحَ ، وتبعثُ علي الارتياحِ .
كما يُرسلُ اللهُ تَعَاَلي أنبياءَه ، بالعلمِ والحكمةِ ، يُرسلُ رُسلاً من مخلوقاتِه ، قد تكونُ في أعيُنِنا ، كائناتٍ ضعيفةً ، كالغرابِ ، لنعرفَ كيفَ ندفنُ موتانا ، وكهَذَين المخلوقين العظيمين ، الهدهدِ والنملةِ ، لنتعلمَ منهما فنونَ الإعلامِ وآدابَه !!
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ..
في ( عشرِ ) كلماتٍ ، النملةُ تستخدمُ ( عشرَ ) وسائلِ استمالةٍ ، يا الله !! ما هَذِهِ الروعةُ ؟!
نادتِ النملةُ في قولِها ( يَٰٓأَ ) ونبهتِ النملةُ في قولِها ( أَيُّهَا) وسمتِ النملةُ في قولِها ( ٱلنَّمْلُ ) وأمرتِ النملةُ في قولِها ( ٱدْخُلُواْ ) ونصحتِ النملةُ في قولِها ( مَسَٰكِنَكُمْ ) ونهتِ النملةُ في قولِها ( لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ) وخصتِ النملةُ في قولِها ( سُلَيْمَٰنُ ) وعمتِ النملةُ في قولِها ( وَجُنُودُهُ ) وأشارتِ النملةُ في قولِها ( وَهُمْ ) وأعذرتِ النملةُ في قولِها ( لَا يَشْعُرُونَ )
هذا هو الخطابُ الإعلاميُ ، يا سادة ، كلماتٌ قليلةٌ ، واضحةٌ ، راسخةٌ ، صادقةٌ ..
ثم يأتي الهدهدُ :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ..
هكذا القادةُ ، يتفقدون ويُنقبون ، ويبدأون بلومِ أنفسِهم ( مالي لا أري ) إذ قد يكونُ الهدهدُ موجوداً ، وأنا الذي لا أراه ، بخلافِ قولِه : أينَ الهدهدُ ؟ فكأنَّه ، عندَها ، يُقرُ واثقاً متيقناً ، أنَّه غائبٌ ..
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ..
المنصفون عُدولٌ في حُكمهم ، رُحماءُ متدرجون في عقوبتِهم ، من الأعلي للأقلِ ..
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ..
هُنا صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ : لا يتأخرُ ( غَيْرَ بَعِيدٍ) يأتي بالخبرِ تاماً ( أَحَطتُ ) يجتهدُ ( جئتُ ) والتي تعني الذهابَ خصيصاً ، كلامُه موسيقي ( سَبَإٍ بِنَبَإٍ ) خبرُه صادقٌ ، لا يحتملُ الظنَ ، ولا التأويلَ ( يَقِينٍ) ..
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ..
صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ ، واثقٌ في معلوماتِه ( إِنِّي ، وَجَدتُّ) بليغٌ في لُغتِه ( امْرَأَةً) بالتنكيرِ ، فرغم أنَّه يعرفُها ، ملكةً ، واسمُها بلقيس ، يتجاهلُ ذلكَ كُلَّه ، للتقليلِ من شأنِها ، إذ هي مُشركةٌ ، لا تستحقُ التمجيدَ . صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ ، دقيقٌ في مفرداتِه ( تَمْلِكُهُمْ ) وليسَ تحكمُهم . صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ مؤمنٌ حقاً ( أُوتِيَتْ مِن كُلِّ ) وليسَ أوتيت كُلَّ ، فالمعطي هو اللهُ ، ومَنْ يملكُ كُلَّ شئٍّ ، هو اللهُ وحدَه ، جلتْ قدرتُه ..
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ .
صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ ، واثقٌ ( وَجَدتُّهَا) خبرُه حصريٌّ ( يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ) غيورٌ علي إيمانِه وثوابتِه ( مِن دُونِ اللَّهِ ) يُحللُ الصورةَ جيداً ، ويكشفُ الحقيقةَ ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ) يُلخصُ المعني تماماً ( فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ) .
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ .
صاحبُ الرسالةِ الإعلاميةِ ، حكيمٌ واعٍ مُدركٌ ..
هذا هو الإعلامُ الذي ( نتمناه ) ..
هذا هو الإعلامُ الذي يجبُ أنْ ( نتبناه ) ..
بقلم حسام عيسى
باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
تمر بنا الأحداث السياسية بشكل متسارع ومتغير، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، ولكي نقرأ هذه الأحداث بشكل صحيح، لا بد من إخضاعها لمنهج علمي دقيق حتى نستطيع استخلاص النتائج والاستدلال بها لفهم أسبابها، وما تشير إليه تلك الأسباب والنتائج.
من خلال منهج استقرائي وملاحظة الأحداث، وباعتماد النظرية الواقعية كأساس لدراسة الأحداث السياسية – التي تقر بأن أساس العلاقات الدولية قائم على الصراع، وأن الصراع بين الدول يعتمد على القوة – نجد أن المفهوم الأساسي للعلاقات الدولية هو القوة، وهذا ما أكد علية علماء هذه النظرية وعلى رأسهم “هانز مورجنثاو”.
وعلى جانب أخر في علم “الدولة” أن قوة الدولة تعتمد بشكل رئيسي على قدراتها الذاتية، وهو ما أشار إليه العالم “رتزال”، رائد علم الجيوبوليتيك، في كتابه “الجغرافيا السياسية” عام 1897م، حيث رأى أن قوة الدولة تعتمد على القوة البشرية وثقافتها والاقتصاد والقوة العسكرية.
إضافة إلى ذلك، فإن محرك السياسات الدولية هو المصلحة القومية، والتي ترتكز في جوهرها على الاعتبارات الاقتصادية و بالأحرى قوة الدولة بشكل عام هي التي تدعم هذه المصلحة. وبالتالي، فإن دوافع الدول في الغالب تكون اقتصادية، وهو ما أكده عدد من علماء السياسة، مثل:
– إدوارد لوتواك في كتابه “إستراتيجية الحرب والسلام”.
– ريتشارد نيد ليبو في كتابه “لماذا تحارب الأمم”.
– جينفر هاريس (الباحثة السياسية) وروبرت بلاكويل في كتابهما “الحرب بوسائل أخرى”.
ومع ذلك، فإن دوافع الأفراد غالبًا ما تكون معتقدات دينية أو أيديولوجية، وهذا ما تدفع بة الدول. ولتحليل الأحداث الإقليمية والدولية، لا بد من استخدام التحليل الجيوبوليتيكي، أي النظر إلى الخريطة العالمية بشكل شامل، نظرًا لتداخل تأثيرات الدول في تشكيل السياسة الدولية للنظام العالمي، وتشابك المصالح بين مختلف مناطق العالم.
ومن خلال الجمع بين النظرية الواقعية والدوافع الجيواقتصادية والتحليل الجيوبوليتيكي، يمكننا قراءة الأحداث السياسية الإقليمية والدولية بشكل أكثر دقة.
البداية مع مصر – بالمنظور الجيوبوليتيكي:
لقد أكد العالم ماكيندر أن الإقليم العربي – وتحديدًا “الشام الكبير” المتمثل في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن” – هو نقطة ارتكاز الإقليم العربي، بينما تُعد مصر قلب الإقليم العربي. فمن يسيطر على القلب (مصر) ونقطة الارتكاز (الشام) يستطيع السيطرة على الإقليم العربي بأكمله، ومن يسيطر على الإقليم العربي يستطيع التأثير في جزيرة العالم – قارة أوروبا وآسيا وإفريقيا(حسب نظرية ماكيندر)، وبذلك يستطيع أن يسيطر على العالم.
إذا نظرنا إلى دول “الشام الكبير”، نجد أن معظمها قد سقط ما بين دولة فاشلة أو هشّة أو ضعيفة، ولم يبقَ إلا الدولة الرصينة الراسخة في قلب الإقليم العربي، وهي مصر؛ لذا تسعى الدول القطبية إلى بسط نفوذها على مصر لضمان التواجد في هذا الإقليم الحيوي المليء بالثروات، من بترول وغاز، إضافة إلى موقعه الجغرافي والاستراتيجي.
بالتحليل الجيواقتصادي:
تمثل مصر قلب الإقليم العربي ومفتاح التواجد فيه، كما تمتلك محورًا مؤثرًا في التجارة العالمية الذي يتمثل في قناة السويس، الذي يعد عنصرًا حاسمًا في استراتيجيات أقطاب النسق الدولي. فمن خلاله:
– تمر 12% من التجارة العالمية.
– يعبر 60% من صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي.
– يتم نقل 90% من واردات الاتحاد الأوروبي من النفط والغاز.
كما تملك مصر احتياطيات من الغاز كبيرة في البحر المتوسط، سواء في منطقتها الاقتصادية أو عبر حدودها مع فلسطين (قطاع غزة) وليبيا، مما يجعلها قادرة على توفير بديل للغاز الروسي للاتحاد الأوروبي.
لذلك، تُعد مصر محط أنظار أقطاب النسق الدولي، حيث تسعى:
1. الولايات المتحدة: إلى توطيد وجودها في الإقليم العربي لحماية مصالحها الجيواقتصادية، والحفاظ على هيمنة الدولار كعملة عالمية مدعومة بالقوة الأمريكية، وضمان بقاء حلفائة، والقدرة على التأثير على الدول المستوردة للبترول، والتأثير على حجم البترول المتداول عالميا، والسيطرة على أسعار البترول.
2. الاتحاد الأوروبي: يرى مصر شريكًا اقتصاديًا لضمان تدفق وارداته عبر قناة السويس، وأملًا في تعويض الغاز الروسي بغاز المتوسط، وحماية أراضيه من الهجرة الغير شرعية.
3. الصين: تعتمد على مصر كشريك استراتيجي لتأمين تجارتها مع الاتحاد الأوروبي، حيث يعبر حوالي 35% من تجارتها العالمية عبر القناة السويس، وتسعى أن تجعل مصر منطقة لوجستية لتصدير منتجاتها إلى أوروبا ودول الخليج عن طريق الأراضي المصرية.
4. روسيا: تحاول التواجد في الإقليم العربي عبر شراكتها مع مصر في مجال غاز المتوسط، وكمحطة انطلاق نحو القارة الأفريقية، ودعم مصر بتكنولوجيا الطاقة النووية السلمية (محطة الضبعة النووية)، مثل تواجدها الأن في السويس وبورسعيد..
هكذا تظل مصر في قلب استراتيجيات القوى العالمية، فمنهم من يساهم في بناء “الجمهورية الجديدة”، ومنهم من يرغب في بسط النفوذ عبر الأزمات الاقتصادية أو زعزعة الاستقرار الإقليمي والداخلي.
لكن أستطاعت مصر في العقد الأخير، أن تحمي وتعزز موقعها الجيوسياسي عبر:
– السيطرة على حدودها بقوة جيشها الذي تقدم من المرتبة 23 إلى بين أقوى 10 جيوش عالميًا.
– تحقيق هذا التقدم رغم معارضة القوى الدولية التي لا تريد قوة إقليمية تفوق قوة الكيان الإسرائيلي.
– الاعتماد على القوة الذاتية، كما أكد عالم الجيوبوليتيك “رتزال” في كتابه “أسس الجغرافيا السياسية”عام 1897م.
– كما استطاعت المخابرات المصرية التوغّل لحماية الحدود الإقليمية للدولة المصرية.
وهو ما تجسّد بوضوح في زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى قطاع غزة، التي مثلت تأكيدًا على التمكّن الاستراتيجي المصري خلف حدودها السياسية.
-بالإضافة إلى ذلك، تمكّنت مصر من تعزيز سيطرتها على حدودها الجنوبية، حيث قدمت
الدعم العسكري والمشورة للقيادات الشرعية السودانية والشعب السوداني لاستعادة السيطرة على أراضيهم، كما استضافت آلاف النازحين السودانيين على أراضيها.
-وعلى الجبهة الليبية، فرض الجيش المصري والمخابرات المصرية “الخط الأحمر” على مسافة ألف كيلومتر داخل الأراضي الليبية، لحماية الأمن القومي المصري ومساندة الجيش الليبي في استعادة السيطرة على أراضيه.
-كما عزّزت القوات البحرية المصرية أمن الحدود البحرية في البحر المتوسط، محوّلة علاقات مصر مع دول الجوار من العداء إلى الصداقة.
تحوّلات استراتيجية تحت قيادة السيسي:
تمكّنت الإدارة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي من تحقيق إنجازات استثنائية في عقدٍ واحد:
1. الأمن والاستقرار: القضاء على الإرهاب في سيناء، وتحويل مصر إلى واحة آمنة للاستثمار.
2. التنمية الشاملة: بناء بنية تحتية متطورة تشمل – مدن جديدة وصناعية، وشبكة طرق وكباري ومواصلات سريعة، وموانئ حديثة مثل – ميناء سفاجا على البحر الأحمر _ ميناء العريش على البحر المتوسط _ ميناء جرجوب في مرسى مطروح.
3. الموقع الجيواستراتيجي: جعل مصر بوابة رئيسية لإفريقيا، وممرًا تجاريًا عالميًا يربط الشمال بالجنوب، وأصبحت مصر مهيئة الأن أن تكون مركزًا للأستثمار، حيث الاستقرار السياسي والأمني.
التقدير الدولي لمكانة مصر:
1. دعوة روسيا الفريدة: لقد تم دعوة مصر الدولة العربية الوحيدة المدعوة لحضور احتفالات عيد النصر في موسكو، تقديرًا لمكانتها الاستراتيجية – الجيوسياسي والجيواقتصادي..
2. عضوية “بريكس”: انضمت مصر إلى المنظمة “البريكس” التي تمثل 35% من التجارة العالمية، بقيادة الصين وروسيا، مما يعكس ثقة المجتمع الدولي في دور مصر الاقتصادي والاستراتيجي.
كما تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى روسيا لتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، للتوازن الدولي السياسي والعسكري، وتأتي هذه الزيارة في إطار السعي الروسي لتعزيز الشراكة مع مصر كقوة إقليمية فاعلة.
-كما يوجد هناك محاولات من القوى الدولية قد تكون دوافعها إيجابية، وعلى جانب أخر هناك قوة دولية دوافعها سلبية تسعى للتأثير على مصر بمارسة ضغوطًا اقتصادية، وآخرون يسعون لجعلها شريكًا استراتيجيًا، هذا التنافس الدولي حول مصر الذي يعكس تنافسًا على نفوذ الأستحواذ على قلب الإقليم العربي، مفتاح التواجد في المنطقة المتمثل في “مصر”.
كل هذه التحركات الدولية تجاه مصر تنطلق من مصالح الدول المرتكزة على قوتها الذاتية، بينما تُثبت مصر أنها قادرة على الحفاظ على سيادتها والدفاع عن مصالحها الوطنية في هذا المشهد المعقّد.
-من خلال هذا الاستقراء السياسي، نستشرف مستقبلاً تكون فيه مصر في قلب الأحداث المتعلقة باستخراج الغاز من البحر المتوسط، كما أنها ستكون محوراً رئيسياً في أي مخططات تنموية أو استحواذية في المنطقة.
فإما أن تساهم هذه المخططات في تنمية مصر، أو تقف مصر بالمرصاد ضد أي محاولات تهدد أمنها القومي واستقرارها وتعطل نموها الاقتصادي.
أما فيما يخص زيارة الرئيس الأمريكي إلى الإقليم العربي، فإنها تمثل أهمية استراتيجية كبرى للولايات المتحدة، حيث:
– يُعد النفط العربي مصدراً رئيسياً لقوة الدولار الأمريكي عالمياً.
– يمثل الوجود العسكري الأمريكي ضمانة لحماية المصالح الأمريكية وأمن دول الخليج، حيث يتواجد أكثر من خمسين ألف جندي أمريكي على أراضي دول مجلس التعاون الخليجي.
وتجدر الإشارة إلى أن مصر تحتل مكانة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية منذ عقود، كما أكد ذلك الجنرال “ماهان” – العالم الجيوبوليتيكي – في كتابه “القوة البحرية وتأثيرها على التاريخ” عام1952، حيث نصح الإدارة الأمريكية بالسيطرة على قناة السويس وقناة بنما للهيمنة على القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية.
وتسعى الولايات المتحدة حالياً إلى تعزيز وجودها في المنطقة، خاصة مع تنامي النفوذ الصيني في الدول النفطية العربية، حيث:
– بلغت الاستثمارات الصينية في دول الخليج خلال العقدين الماضيين حوالي 320 مليار دولار.
– أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لدول الخليج، حيث تستورد 50% من احتياجاتها النفطية من المنطقة.
– نجحت الصين في الوساطة بين السعودية وإيران، مما دفع أمريكا لمحاولة استعادة نفوذها عبر تشجيع الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ من أجل جذب دول الخليج إليها مرة أخرى.
كما تركّز الاستراتيجية الأمريكية على احتواء البرنامج النووي الإيراني لضمان:
– استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
– حماية مصالحها وحلفائها.
حيث تقدم للإيران خيارين: إما الامتثال للمطالب الأمريكية بوقف البرنامج النووي، وتكون إيران تحت السيطرة الأمريكية؛ من أجل الأستحواذ الأمريكي على بترول وغاز إيران الذي فُقد منذ الثورة الإيرانية عام 1979م، وهذا لن يتحقق في العقد القادم، أو المواجهة المباشرة، وتكون إيران مصدر تهديد في المنطقة مما يعزز التواجد الأمريكي الأمني، ويدفع دول الخليج إلى زيادة التعاون مع أمريكا.
تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى إنهاء المشكلة الفلسطينية في قطاع غزة عبر أحد خيارين:
1. تقليص الوجود الفلسطيني في قطاع غزة.
2. تهجير الفلسطينيين إلى دول موالية للولايات المتحدة (مثل سوريا، ليبيا، الصومال، أو إثيوبيا)
ويهدف هذا التحرك إلى:
– السيطرة على احتياطيات الغاز الفلسطيني في شرق المتوسط، حيث يحتوي قطاع غزة على 60% من الاحتياطيات المشتركة مع الكيان الإسرائيلي.
– إنشاء خط غاز يربط دول الخليج بغزة لتصدير الغاز إلى أوروبا، مما يحوّل القطاع إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة، بعيداً عن الإدارة المصرية وتحت السيطرة الأمريكية.
التواجد الأمريكي في الشام الكبير: والبداية منذ غزو العراق 2003، والسيطرة على العراق والسعي إلى تجزئة الشعب العراقي، وقد نجحت في ذلك، بالأضافة إلى السيطرة على سوريا، وإزاحة نظام بشار – إلى جانب الحلبف الأول إسرائيل والحليف الثاني تركيا.
وبذلك أستطاعت الإدارة الأمريكية السيطرة على الشام الكبير؛ من أجل حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، ويحقق السيطرة كما تصورها:
– “زبيغنيو بريجينسكي” في كتبه: “الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادته” عام 2004م، و في كتابة الثاني”رقعة الشطرنج الكبرى” عام 2005م، بالأضافة إلى العالم “أناتولي أوتكين” في “الاستراتيجية الأمريكية للقرن 21” عام 2018م، آيضا العالم “روبرت ليبر” في “العصر الأمريكي” 2005م، من أجل التواجل في الإقليم العربي وبسط النفوذ الأمريكي بالمنطقة لتعزيز التواجد الأمريكي في مواجهه المنافسين، والسيطرة على ثرواتها وأبقاء القوة الأمريكية أحد الأقطاب العالمية.
التحليل الاستراتيجي:
من خلال المنظور الواقعي والتحليل الجيوبوليتيكي، نلاحظ أن:
1. المنطقة العربية أصبحت أولوية في أولى في الاستراتيجية الأمريكية، وذلك تجسد في:
– اختيار الرئيس الأمريكي للمنطقة كأول زيارة خارجية، والتركيز على تعزيز الوجود العسكري، ودعم الاقتصاد الأمريكي عبر الاستثمارات الخليجية، من أجل الحفاظ على تسعير النفط بالدولا، والأبقاء على الدولار العملة العالمية.
2. التحول الاستراتيجي الأمريكي من أوروبا إلى المنطقة العربية (المرحلة الأولى) ثم مواجهة الصين اقتصادياً (المرحلة الثانية)
الصعود الصيني:
أصبحت الصين قوة تكنولوجية عظمى منذ 2024م، كما وثق ذلك الرئيس الصيني “شي جين بينج” في كتابه “حول الحكم والإدارة” (المجلد الخامس)، وهذا ما أكدتة الباحثة “دامبيسا مويو” في كتابها “كيف خسر الغرب” (الحائز على أفضل بحث 2024م)، حيث تؤكد تفوق الصين اقتصادياً وتكنولوجياً على الولايات المتحدة، حيث تعتمد الصين في صعودها على:
1. تعزيز الاستثمارات المحلية والتعاون المشترك.
2. تطوير البنية التحتية والتنمية.
3. التواجد الاقتصادي بمشروع “الحزام والطريق” لربط الدول بالاقتصاد الصيني.
4.عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
التحليل الاستراتيجي للتوقع فيما سوف يكون الواقع الدولي والإقليمي
من خلال قراءة دقيقة للأحداث الجارية، يمكن استشراف التوجهات المستقبلية على النحو التالي:
* الولايات المتحدة الأمريكية: ستظل القوة الاقتصادية والعسكرية المهيمنة عالمياً خلال العقد القادم، وستتبع سياسة احتواء للنمو الصيني مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، وستحافظ على هيمنة الدولار في النظام المالي الدولي.
* الصين: ستصبح قوة اقتصادية كبرى مستقلة عن التأثير الأمريكي، وستعزز قوتها العسكرية الرادعة دون تبني سياسات عدوانية، وستستمر في نهجها القائم على الفلسفة الكونفوشيوسية التي تفضل الحلول السلمية، وتفضيل القوة الرادعة، وستعمل على تعزيز نفوذها عبر المبادرات الاقتصادية مثل “الحزام والطريق”.
* الاتحاد الأوروبي: سيسعى لبناء منظومة دفاعية مستقلة، وسيشهد علاقاتها مع الولايات المتحدة بعض الفتور الاستراتيجي، وسيزيد من تعاونها الاقتصادي مع كل من القارة الأفريقية والصين.
* روسيا: ستتبنى استراتيجية أوراسيا كما طرحها المفكر “ألكسندر دوجين”، والذي أكدة في كتابة “المهمة الجديدة للأوراسيا”، وستتعمق شراكتها الاستراتيجية مع الصين، وستدعم تكتلات مثل مجموعة البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون.
* مصر: ستشهد نمواً اقتصادياً متسارعاً عبر شراكات مع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، وستحافظ على علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة، وستواجه ضغوطاً اقتصادية أمريكية تهدف لتعزيز التقارب بين البلدين.
سمير باكير، يكتب:
تشهد إسرائيل، في الآونة الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة العزلة الدولية، نتيجة استمرارها في سياسات الاحتلال والاستيطان والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، خصوصًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولعلّ أبرز هذه المؤشرات كان قرار “صندوق الثروة السيادي النرويجي” – أكبر صندوق سيادي في العالم – سحب استثماراته من شركة “باز ريتيل آند إنرجي” الإسرائيلية، بسبب دورها في تزويد المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية بالوقود، وهو ما يشكل خرقًا للقانون الدولي الإنساني.
لكن هذه ليست الخطوة الوحيدة. فقد شهدنا في الأسابيع والأشهر الماضية سلسلة من التطورات التي تُعبّر عن تغير المزاج الدولي تجاه إسرائيل:
1. وقف رحلات جوية إلى إسرائيل: عدد من شركات الطيران العالمية الكبرى – مثل “لوفتهانزا” الألمانية و”إير فرانس” و”بريتيش إيرويز” – أوقفت مؤقتًا أو جزئيًا رحلاتها إلى تل أبيب، خاصة في ظل التصعيد العسكري على غزة، واعتبارات تتعلق بأمن الركاب. هذا التوقف لا يُنظر إليه فقط من زاوية أمنية، بل أصبح أيضًا فعلًا ذا دلالة سياسية ضمن الضغوط غير المباشرة.
2. إلغاء فعاليات ومشاركات ثقافية ورياضية: تمّ مؤخرًا إلغاء عدة فعاليات ثقافية وموسيقية كانت مقررة في إسرائيل، بعد ضغوط جماهيرية وفنية، بحجّة رفض التطبيع مع الاحتلال. كما شهدنا انسحاب رياضيين من منافسات دولية بسبب مشاركة إسرائيل فيها.
3. قرارات برلمانية وتوصيات أوروبية: شهدت عدة برلمانات أوروبية نقاشات علنية حول الاعتراف بدولة فلسطين، وطرحت مشاريع قوانين لفرض حظر على بيع الأسلحة لإسرائيل. كما أوصى “مجلس حقوق الإنسان” التابع للأمم المتحدة بإجراء تحقيقات إضافية في جرائم محتملة ارتكبتها إسرائيل في غزة.
4. حملات المقاطعة (BDS): تتسع حملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والثقافية في أنحاء متزايدة من العالم، خصوصًا في الجامعات الغربية. هذه الحملات لم تعد محصورة في الأوساط الشعبية، بل بدأت تجد صدى في المؤسسات الرسمية، مثل المجالس البلدية والنقابات.
هذه التطورات تعكس تحولًا جوهريًا في النظرة العالمية لإسرائيل. إذ لم تعد تُعامل كدولة “طبيعية” في النظام الدولي، بل بات يُنظر إليها باعتبارها دولة احتلال تنتهك مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان بشكل ممنهج. وهذا يضعها في موقع مساءلة مستمرة.
إن العزلة لا تحصل دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من التراكمات الرمزية والعملية، والقرارات الفردية والجماعية التي تُنتج بيئة دولية طاردة للسياسات الإسرائيلية. وكلما استمرّت تل أبيب في تجاهل هذه الرسائل، كلما اتسعت دائرة العزلة وارتفعت كلفة الاستمرار في سياساتها.
ما نشهده اليوم ليس مجرد احتجاجات متفرقة، بل إرهاصات لتحوّل استراتيجي في مواقف الدول، والمؤسسات، والرأي العام العالمي تجاه إسرائيل، وهي مقدّمة لمرحلة جديدة من المساءلة الدولية.

بقلم الإعلامية شيما فتحي
_ يعتبر إقليم كشمير بؤرة في قلب الصراع الثلاثي منذ 8 عقود، بعدما تحول إلى ساحة نزاع بين الهند وباكستان الذي بدأ بعد استقلالهما عن بريطانيا في عام 1947، تركت بريطانيا خلفها إقليم خلابآ قابل للاشتعال في جبال الهيمالايا دون تقرير مصيره.
تداعيات الاشتباكات الهندية الباكستانية
شنت الهند عملية عسكرية محدودة داخل الأراضي الباكستانية والشطر الذي تديره إسلام أباد في كشمير تحت الإسم الرمزي “عملية سيندور” في 7 مايو 2025 وشملت الضربة الهندية استهداف إقليم البنجاب الأكثر كثافة سكانية في باكستان لأول مرة منذ الحرب الشاملة الأخيرة بين البلدين قبل أكثر من 50 عامآ.
وصرحت الهند قائلة إن ذلك يأتي رداً على هجوم شنه متشددون على سياح هندوس في منطقة باهالغام بكشمير الهندية في 22 أبريل 2025 أدي إلى مقتل 26 مدنيًا هندوسًا، وهو ما نفتة إسلام أباد.
يتبادل الجانبان التهديدات بالرد، حيث شنت باكستان هجومًا علي 26 موقعا في الجزء الهندي من كشمير وردت الهند بعمليات عسكرية انتقامية، مما أثار مخاوف من تصاعد الأعمال الدموية في منطقة من أخطر المناطق والأكثر كثافة سكانية في باكستان.
” التوزيع الجغرافي والتقسيمات الإدارية لكشمير “
كشمير أو قشمير منطقة جغرافية متنازع عليها تقع شمال غرب الهند وشمال شرق باكستان وجنوب غرب الصين في وسط آسيا وتاريخيآ تعرف كشمير بأنها المنطقة السهلة في جنوب جبال الهيمالايا من الجهة الغربية.
والجدير بالذكر أن كشمير تعرضت للاحتلال من طرف جمهورية الصين وباكستان والهند.
ومن هنا ياتي السبب الرئيس للنزاع طويل الأمد بين الدولتين إلى الارهاب الذي ترعاه الدولة.
التقسيمات الإدارية لكشمير
اللون الأخضر المنطقة الخاضعة للإدارة باكستان، اللون البني تحت إدارة الهند والمنطقة الخاضعة للحكم الصين في الشرق.
مساحة كشمير.. الحقائق والأرقام
تبلغ مساحة الإقليم الإجمالية حوالي 222 ألفاً و200 كليو متر مربع ويخضع الجزء الشمالي والغربي لإدارة باكتسان ويضمان 3 مناطق هم:
آزاد كشمير وجيلجيب وبالتستان وتبلغ مساحتها حوالي 85,846 كليو متر مربع، إنما الهند تدير الجزاين الجنوبي والجنوبي الشرقي.
“جامو وكشمير ولادته” وتبلغ مساحتها 101,338 كليو متر مربع، بالاضافه إلى كشمير الخاضعة للسيطرة الصينية وتشمل منطقة “أكساس تشين” وتبلغ مساحتها حوالي 37,244 كليو متر مربع.
ومن المعروف كما يعتقد الكثيرون أن الصراع على كشمير يدور بين الدولتين النوويتين نيودلهي وأسلام أباد فقط، لكن بكين حاضرة أيضاً.
الامل في السلام.. مستقبل كشمير
موقع إقليم كشمير الاستراتيجي يجعلها منطقة حيويه للأمن القومي والاقتصادية، للأبد من الحل السلمي من خلال المفاوضات والحوارات بين الهند وباكستان ويتطلب ذلك تفاهما عميقًا للتعقيدات التاريخية والسياسية.
تحقيق: ياسر صقر
تطبيق “ديب سيك DeepSeek” هو أحد منتجات الشركات الصينية التي تخصصت في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. تمثل هذه الشركات التي تعمل في مجال التكنولوجيا الحديثة نموًا سريعًا في الصين، وتهدف إلى تطوير تقنيات متقدمة في مجالات مثل معالجة البيانات الكبيرة، الرؤية الحاسوبية، وتحليل البيانات. من خلال الابتكارات التقنية التي تقدمها، تسعى DeepSeek إلى تلبية احتياجات السوق العالمية وتعزيز قدرات الشركات في قطاعات متعددة مثل التصنيع، التجارة الإلكترونية، الرعاية الصحية، وغيرها.
تستخدم DeepSeek تقنيات متقدمة مثل الشبكات العصبية العميقة (Deep Learning) لتحليل البيانات الضخمة واستخراج الأنماط والمعلومات القيمة منها. يمكن تطبيق هذه التقنيات في عدة مجالات مثل:
الرؤية الحاسوبية: تحديد وتحليل الصور والفيديوهات في الوقت الفعلي، مما يساعد في تطبيقات مثل مراقبة الفيديو أو التعرف على الأشياء في بيئات صناعية.
التعلم الآلي: تحسين الخوارزميات واستخدامها لتحليل البيانات بشكل أكثر فعالية في مجالات مثل التسويق والتحليل المالي.
الذكاء الاصطناعي المدمج: تقديم حلول ذكية للأنظمة المدمجة مثل الروبوتات وأجهزة الاستشعار التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات.
المجالات التي تستفيد من تقنيات DeepSeek:

الصحة والرعاية الطبية: تسهم تقنيات DeepSeek في تحسين تشخيص الأمراض من خلال تحليل الصور الطبية والتقارير الطبية الكبيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
الصناعة والتصنيع: في القطاع الصناعي، يتم استخدام تقنيات الرؤية الحاسوبية للتحكم في الجودة في خط الإنتاج، والكشف عن العيوب، وتحسين العمليات.
التجارة الإلكترونية: تساهم الخوارزميات التي طورتها الشركة في تحسين تجربة المستخدم وتحليل سلوك العملاء لتقديم توصيات ذكية وزيادة المبيعات.
الأمن والمراقبة: تسهم الشركة في تطوير حلول المراقبة الذكية التي تستخدم التعرف على الوجه والأنماط لتحسين الأمان في الأماكن العامة والخاصة.
من المتوقع أن تواصل DeepSeek توسعها بشكل كبير في السنوات القادمة، حيث تسعى الشركة إلى تطوير حلول أكثر تطوراً تتماشى مع الاتجاهات المستقبلية في الذكاء الاصطناعي، مثل التطبيقات في السيارات الذاتية القيادة، تحسينات في الواقع المعزز والافتراضي، وتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف الصناعات. كما من المتوقع أن تصبح الشركة لاعبًا رئيسيًا في السوق العالمي، حيث يزداد اهتمام الشركات في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء واتخاذ القرارات الذكية.
DeepSeek تمثل نموذجًا لما يمكن أن تحققه الشركات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تسهم في تطوير الحلول التقنية المتقدمة التي تواكب التطورات العالمية وتخدم مجموعة متنوعة من الصناعات. وبفضل تقنياتها المتطورة، فإنها تفتح آفاقًا جديدة للإبداع والابتكار، مما يسهم في تطوير القطاعات المختلفة وتحقيق تقدم في استخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى عالمي.
ولا يبدو أن DeepSeek، أو أي منصة أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي، ستكون قادرة على “إزاحة” باقي المنصات في المستقبل القريب. بينما تتمتع DeepSeek بالكثير من الإمكانيات التكنولوجية والابتكارات، فإن النظام البيئي للذكاء الاصطناعي متنوع جدًا ويشمل العديد من الشركات والمنصات التي تتنافس وتتكامل مع بعضها البعض.
الأسباب التي تجعل من الصعب “إزاحة” منصات الذكاء الاصطناعي الأخرى:
التنوع في الاحتياجات: كل منصة ذكاء اصطناعي تستهدف فئات معينة من المستخدمين أو التطبيقات. على سبيل المثال:
منصات مثل OpenAI و Google AI تركز على التطبيقات العامة مثل معالجة اللغة الطبيعية، والترجمة الآلية، والإبداع الاصطناعي.
منصات أخرى مثل IBM Watson تركّز على تقديم حلول مخصصة للأعمال والقطاعات الصناعية.
في المقابل، DeepSeek قد تكون موجهة نحو تطبيقات محددة مثل الرؤية الحاسوبية والتحليل العميق للبيانات.
لذلك، تختلف احتياجات العملاء في المجالات المختلفة، ولا يمكن لمنصة واحدة أن تقدم الحلول المثلى لجميع هذه المجالات.
الاستثمار والابتكار المستمر: منصات الذكاء الاصطناعي الكبرى مثل OpenAI، Google DeepMind، و Microsoft تستثمر بشكل كبير في البحث والتطوير. هذه الشركات لديها فرق بحث ضخمة وقوى عاملة كبيرة تسعى لإحداث تطورات جديدة باستمرار في مجالات مثل التعلم العميق، وتحسين الخوارزميات، والتفاعل بين البشر والآلات. هذه المنافسة الدائمة تجعل من الصعب على أي منصة واحدة أن تهيمن على السوق بشكل كامل.
التكامل بين الأنظمة: في العديد من الحالات، لا تتمتع الشركات بالموارد اللازمة لتبني منصة واحدة بالكامل. بدلاً من ذلك، تدمج الشركات منصات متعددة في نظام واحد لتحقيق الأداء الأمثل. على سبيل المثال، يمكن أن تستخدم شركة معينة تقنيات DeepSeek في الرؤية الحاسوبية، بينما تستخدم تقنيات OpenAI في المعالجة اللغوية. هذا التكامل بين المنصات يساهم في تحسين الأداء العام بدلاً من “إزاحة” أحدها.
الانتشار العالمي والتنوع الثقافي: لا يوجد سوق موحد للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. بعض المنصات قد تكون أكثر شعبية في أسواق معينة من العالم مقارنة بغيرها. على سبيل المثال، قد تجد أن DeepSeek تحقق نجاحًا أكبر في الصين وأسواق آسيوية أخرى، بينما المنصات الأخرى مثل OpenAI أو Google AI قد تكون أكثر هيمنة في الغرب. هذه الاختلافات في المناطق الجغرافية والاحتياجات المحلية تجعل من غير المرجح أن تسيطر منصة واحدة على جميع الأسواق.
بدلاً من “الإزاحة”، من المتوقع أن يزداد التعاون بين المنصات المختلفة، خاصةً في مجال الذكاء الاصطناعي. قد يتعاون الباحثون والمطورون في المستقبل بين مختلف الشركات لتطوير تقنيات جديدة بشكل أسرع وأكثر فعالية.
إذن، بدلًا من الحديث عن إزاحة منصات معينة، يمكننا التوقع بأن السوق سيشهد المزيد من التنوع والتخصص في حلول الذكاء الاصطناعي، مع تنافس مستمر وتحسين مستمر من جميع الأطراف.
على مر السنوات، كانت كولومبيا واحدة من أكبر الدول المصدرة للمهاجرين إلى الولايات المتحدة، حيث فر العديد من المواطنين الكولومبيين بسبب العنف، والنزاع المسلح، والظروف الاقتصادية الصعبة في وطنهم. ومع ذلك، كانت العلاقة بين كولومبيا والولايات المتحدة دائمًا مشوبة بالعلاقات الدبلوماسية المعقدة عندما يتعلق الأمر بمسألة الهجرة.
في بداية عام 2017، وعقب تولي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب منصب الرئيس، أصبح موضوع الهجرة جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي، حيث بدأ في اتخاذ مواقف متشددة تجاه المهاجرين غير الشرعيين. وكانت كولومبيا من بين الدول التي كانت تنظر إلى هذه التهديدات بقلق، خاصة أن العديد من الكولومبيين المقيمين في الولايات المتحدة كانوا مهددين بالترحيل في ظل سياسة “الحرية في الهجرة” التي تبناها ترامب.
مع تولي غوستافو بيترو رئاسة كولومبيا ، تغيرت السياسات الكولومبية بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالهجرة والعلاقات مع الولايات المتحدة. بينما كانت كولومبيا في ظل ترامب تتعامل مع سياسات قاسية تجاه مهاجريها، فإن الحكومة الكولومبية الجديدة تحت قيادة بيترو تسعى إلى تعزيز حقوق الكولومبيين في الخارج وإيجاد حلول إنسانية للأزمة. في الوقت نفسه، تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة معقدة، حيث سيتعين على كولومبيا التنقل بين التعاون في القضايا الأمنية والتنموية، وبين حماية حقوق مواطنيها في ظل تباين المواقف مع ترامب وجزء من الحزب الجمهوري.
بعد تهديدات ترامب التي كانت تشمل ترحيل المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة، بما في ذلك العديد من الكولومبيين، قامت كولومبيا بتغيير موقفها ووافقت على استعادة مهاجرين كولومبيين كانوا معرضين للترحيل. هذا الموقف المتغير يُظهر أن الحكومة الكولومبية كانت تحت ضغط كبير من سياسات ترامب المتشددة، خاصة فيما يتعلق بالهجرة.
التراجع الكولومبي جاء نتيجة للتهديدات التي أطلقها ترامب تجاه دول أميركا اللاتينية، بما في ذلك كولومبيا، حيث كانت واشنطن تتبع سياسة قاسية تجاه المهاجرين غير الشرعيين، مما أثر بشكل خاص على الكولومبيين الذين كانوا في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني.
ترامب كان قد هدد بفرض عقوبات أو اتخاذ تدابير قاسية ضد الدول التي لا تتعاون في استعادة مواطنيها المهاجرين غير الشرعيين. هذا التهديد قد دفع كولومبيا إلى التراجع عن موقفها السابق وفتح الباب لاستعادة مهاجريها.
بعد التهديدات، قررت كولومبيا أن تقبل استعادة مهاجريها من الولايات المتحدة. ورغم أن الحكومة الكولومبية في البداية كانت تحفظية في التعامل مع هذه القضية، إلا أن الضغط الأمريكي قد دفعها إلى تغيير موقفها.
الحكومة الكولومبية برئاسة الرئيس إيفان دوكي حينها (قبل تولي غوستافو بيترو الرئاسة في يناير 2025) قررت قبول هذه المهاجرين، وكان هذا جزءًا من محاولة لتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة والحفاظ على العلاقات الثنائية.
هذا الموقف يعكس كيف يمكن أن تؤثر السياسات الأمريكية الصارمة، وخاصة في قضايا الهجرة، على دول أخرى وتؤدي إلى تغيرات في سياسات تلك الدول. كولومبيا كانت تتعرض لضغوط كبيرة من قبل إدارة ترامب، مما جعلها تتراجع عن مواقفها السابقة وتوافق على استعادة مهاجريها.
وكان موقف كولومبيا شديد اللهجة في البداية حيث رفض الرئيس الكولومبي إستعادة المهجرين الكولومبيين على متن طائرة عسكرية وإمتهان كرامة المهجرين مما أثار حفيظة ترامب وهدد برفع الضرائب والرسوم على الصادرات الكولومبية ورداً على التهديدات الأمريكية، حيث هددت الحكومة الكولومبية بأنها قد توقف التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات أخرى إذا تم الضغط عليها بشكل أكبر لإعادة مواطنيها. وأنها ستقوم أيضاً برفع الضرائب والرسوم على الصادرات الأمريكية بالمثل على الرغم من ذلك، كانت هناك ضغوط كبيرة من جانب ترامب، وخاصة من خلال التهديدات بفرض عقوبات أو تقليص التعاون الأمني والاقتصادي.
في النهاية، قررت كولومبيا التراجع عن موقفها والقبول بإعادة بعض المهاجرين الكولومبيين الذين كانوا مهددين بالترحيل، وذلك بهدف تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة والحفاظ على العلاقات الثنائية.